عندما تصبح إخفاقات الحماية معروفة للعموم، غالباً ما تستجيب المنظمات بطرق مألوفة.
يُشرَع في إجراء التحقيقات. ويُفصَل الأشخاص المسؤولون عن الانتهاكات. ويُعمَل على تعزيز آليات الإبلاغ. وتُقدَّم تدريبات إضافية. وتُطوَّر سياسات جديدة.
تُعَدّ هذه الاستجابات مهمة، إذ يمكنها المساهمة في معالجة الضرر، ودعم الناجيات والناجين، وإظهار المساءلة.
ومع ذلك، فإنها تطرح سؤالاً صعباً.
إذا كانت أنظمة الحماية تعمل بفعالية، فلماذا تكتشف المنظمات حالات الاستغلال في كثير من الأحيان فقط بعد أن تصبح واسعة النطاق؟
تُسلِّط النتائج الأخيرة الصادرة عن منظمة أطباء بلا حدود في شرق تشاد الضوء بوضوح على هذا السؤال. فبعد الادعاءات التي أثارتها نساء لاجئات سودانيات، كشفت التحقيقات عن تسعة وخمسين ادعاءً بسوء السلوك شملت التحرش الجنسي والاستغلال والانتهاك، وارتبطت بفئات متعددة من الموظفين والموظفات، والمتعاقدين والمتعاقدات، والمورّدين والمورّدات. وقد فُصِل ثمانية عشر شخصاً ومُنِعوا من العمل مستقبلاً مع المنظمة.
وقد انصبّ جانب كبير من النقاش العام، وبشكل مفهوم، على أفعال الأشخاص المسؤولين عن تلك الانتهاكات.
غير أن الحماية لا تتعلق فقط بالأشخاص المرتكبين والمنتهكين.
بل تتعلق أيضاً بالأنظمة.
وتكشف هذه القضية أمراً مهماً بشأن حدود الفهم السائد للحماية في مختلف أنحاء القطاع الإنساني.
إشكالية النظر إلى الحماية من خلال منظور سوء السلوك فقط
لا تزال العديد من أطر الحماية تُنظَّم حول مجموعة ضيقة نسبياً من الأسئلة:
من تسبب في الضرر؟
كيف يمكن الإبلاغ عن الحوادث؟
ما الإجراء التأديبي الذي ينبغي اتخاذه؟
كيف يمكن دعم الناجيات والناجين؟
تُعَدّ هذه أسئلة ضرورية.
إلا أنها ليست كافية.
فعندما تظهر عشرات الادعاءات عبر أدوار وعلاقات تنظيمية متعددة، تتجاوز المسألة حدود سوء السلوك الفردي. إذ يشير هذا النمط إلى وجود ظروف تنظيمية أتاحت حدوث الاستغلال، أو ساهمت في إخفائه، أو جعلته أمراً طبيعياً مع مرور الوقت.
ولا تتمثل القضية فيما إذا كان ينبغي اتخاذ إجراءات تأديبية.
بل تتمثل في سبب وجود الظروف التي سمحت بحدوث الانتهاك أساساً.
وغالباً ما تصبح الحماية أكثر قوة عند مرحلة الاستجابة، وأضعف ما تكون عند مرحلة الوقاية.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن المنظمات كثيراً ما تقيس نضج ممارسات الحماية من خلال السياسات، وقنوات الإبلاغ، والتحقيقات، والتدريب. في المقابل، يُخصَّص اهتمام أقل بكثير لكيفية تنظيم السلطة والقوة وممارستهما وتجربتهما ضمن الأنظمة التشغيلية اليومية.
ومع ذلك، فإن السلطة والقوة هما اللتان تحددان في كثير من الأحيان المواضع التي تنشأ فيها مخاطر الحماية.
المسألة ليست الهشاشة، بل الاعتمادية
يركز الخطاب الإنساني المتعلق بالحماية في كثير من الأحيان على مفهوم الهشاشة.
فيُوصَف الأشخاص بأنهم هشّون بسبب النزوح، أو الفقر، أو صغر السن، أو الإعاقة، أو الصدمات النفسية، أو غير ذلك من عوامل التعرض للمخاطر.
وعلى الرغم من أهمية هذه الوقائع، فإن الهشاشة وحدها لا تفسر الاستغلال.
بل إن الاعتمادية هي التي تفسره.
تشير التقارير الواردة من تشاد إلى أن نساء لاجئات كنّ يترددن في التحدث عما تعرضن له خوفاً من فقدان إمكانية الوصول إلى المساعدات. كما ارتبطت بعض الادعاءات بتبادل الوظائف أو الموارد أو الفرص مقابل الجنس. وتعلقت ادعاءات أخرى بأشخاص كانت إمكانية حصولهم على الدعم خاضعة لأفراد يمارسون سلطة وقوة عليهم.
ولا تُعَدّ هذه الديناميات أموراً عرضية.
بل تقع في صميم مخاطر الحماية.
ويطرح منظور الاعتمادية سؤالاً مختلفاً عن ذلك الذي يطرحه منظور الهشاشة.
فبدلاً من السؤال: من هم الأشخاص الهشّون؟
يطرح السؤال التالي:
من الذي يسيطر على الوصول إلى الموارد أو الفرص أو المعلومات أو الحماية أو الخدمات التي يحتاج إليها الآخرون؟
وفي السياقات الإنسانية، لا يمكن تجنب هذا السؤال.
فالعاملون والعاملات في المجال الإنساني، والمديرون والمديرات، والمتعاقدون والمتعاقدات، وأفراد الأمن، وممثلو وممثلات المنظمات، يمارسون في كثير من الأحيان نفوذاً كبيراً على الوصول إلى الموارد التي يحتاج إليها الناس من أجل البقاء.
ويؤدي ذلك إلى نشوء علاقات تتسم باختلالات عميقة في موازين السلطة والقوة.
وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن فهم الاستغلال بوصفه مجرد مسألة تتعلق بالسلوك الفردي.
بل يجب فهمه أيضاً بوصفه قضية حوكمة.
لماذا لا يمكن للتدريب أن يحل المشكلات البنيوية
يتمثل أحد الجوانب اللافتة في التقارير في الإقرار بأن الجهود السابقة الرامية إلى منع الانتهاكات، بما في ذلك أنشطة التدريب والتوعية، لم تحقق أثراً مستداماً.
ويستحق هذا الاستنتاج اهتماماً جدياً.
فمن خلال عمل مركز التكنولوجيا والتنمية والمجتمع، يتكرر ظهور افتراض مفاده أن إخفاقات الحماية تنجم أساساً عن فجوات معرفية. أي أنه إذا فهم الأشخاص السياسات أو إجراءات الإبلاغ أو التوقعات السلوكية بشكل أفضل، فإن الضرر سيتراجع.
لا شك في أن المعرفة مهمة.
غير أن المعرفة لا تُزيل الحوافز البنيوية.
فقد يفهم أحد الموظفين أو الموظفات سياسات الحماية جيداً، ومع ذلك يواصل إساءة استخدام سلطته وقوته أو سلطتها وقوتها. وقد يفهم أحد اللاجئين أو اللاجئات آليات الإبلاغ، لكنه أو لكنها يظل متردداً في الإبلاغ بسبب ارتفاع المخاطر الشخصية المترتبة على ذلك.
وفي كثير من الأحيان، يعرف الناس ما الذي يحدث.
لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الظروف التنظيمية تجعل من الممكن التصدي لذلك بأمان.
ولهذا السبب، لا يمكن اختزال الحماية في رفع الوعي. بل تقتضي إيلاء الاهتمام للحوكمة، والمساءلة، والإشراف، والثقافة التنظيمية، وتوزيع الموارد، والسلطة والقوة ذاتهما.
حدود الاستجابة المتمحورة حول الناجيات والناجين
يؤكد بيان منظمة أطباء بلا حدود، على نحو مناسب، اعتماد نهج متمحور حول الناجيات والناجين.
وخلال السنوات الأخيرة، ساهمت الممارسات المتمحورة حول الناجيات والناجين في تحويل الحماية بعيداً عن حماية المؤسسات لذاتها، ونحو احتياجات الأشخاص المتأثرين والمتأثرات وكرامتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار.
وقد مثّل ذلك تطوراً مهماً.
إلا أن هذه المقاربات قد تحجب أحياناً سؤالاً آخر: ما المسؤوليات التي تقع على عاتق المؤسسات قبل وقوع الضرر؟
تركز الكثير من ممارسات الحماية على ما ينبغي للمنظمات القيام به بعد الكشف عن الانتهاك.
كيف ينبغي دعم الناجيات والناجين؟
كيف ينبغي الحفاظ على السرية؟
كيف ينبغي إجراء التحقيقات؟
هذه أسئلة مهمة.
لكنها تبدأ بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل.
أما إطار الحماية القائم على الوقاية فيطرح سؤالاً مختلفاً.
كيف صُمِّمت الأنظمة التنظيمية بطريقة جعلت الاستغلال ممكناً؟
ولا يُعَدّ هذا انتقاداً للممارسة المتمحورة حول الناجيات والناجين.
بل هو دعوة إلى استكمالها بتحليل أقوى للسلطة والقوة والحوكمة والمسؤولية المؤسسية.
الأزمات الإنسانية لا تعلّق مفاعيل السلطة والقوة
تعمل المنظمات الإنسانية في بيئات شديدة التعقيد والصعوبة.
فالنزاعات، والنزوح، وانعدام الأمن، ونقص الموارد، والضغوط التشغيلية، كلها تخلق تحديات حقيقية أمام ممارسات الحماية.
ومع ذلك، فإن الأزمات لا تقلل من أهمية السلطة والقوة.
بل إنها غالباً ما تزيدها حدة.
فالاعتمادية تزداد مع النزوح. والندرة تزيد من التنافس على الموارد. وحالة عدم اليقين تقلل قدرة الناس على تحدي السلطة والقوة. كما يصبح الفاعلون والفاعلات في المجال الإنساني، في كثير من الأحيان، بوابات للتحكم في الوصول إلى الخدمات والمعلومات والعمل والتنقل والحماية.
وفي مثل هذه السياقات، لا يمكن فصل الحماية عن الأسئلة الأوسع المتعلقة بحوكمة العمل الإنساني.
فالمسألة لا تقتصر على كيفية استجابة المنظمات للانتهاكات.
بل تتعلق بكيفية توزيع السلطة والقوة والمساءلة داخل الأنظمة الإنسانية منذ البداية.
ومن دون مواجهة هذه الديناميات، تخاطر المنظمات بالتعامل مع إخفاقات الحماية باعتبارها حوادث معزولة، بدلاً من اعتبارها سمات متكررة لأنظمة غير متكافئة.
ما بعد الامتثال
يتمثل أحد أكثر الافتراضات رسوخاً في مجال الحماية في الاعتقاد بأن تعزيز الامتثال يؤدي إلى منظمات أكثر أماناً.
ومن المؤكد أن السياسات، والتحقيقات، وقنوات الإبلاغ، والإجراءات التأديبية، كلها ضرورية.
لكن الامتثال وحده لا يستطيع معالجة أوجه اللامساواة البنيوية.
فقد تمتثل منظمة امتثالاً كاملاً لمتطلبات الحماية، بينما تواصل العمل ضمن أنظمة تولد الاعتمادية، وتركّز السلطة والقوة، وتثبط الاعتراض أو المساءلة.
وعليه، فإن السؤال لا يقتصر على ما إذا كانت المنظمات تمتلك آليات للحماية.
بل يتمثل في ما إذا كانت تلك الآليات تغيّر فعلياً علاقات السلطة والقوة.
وهنا يكمن الفرق بين مقاربة الحماية الموجهة نحو العدالة والمقاربة الموجهة نحو الامتثال.
فالشاغل الأساسي ليس مجرد معرفة ما إذا كانت الإجراءات قد اتُّبعت.
بل معرفة ما إذا كانت المنظمات منظَّمة بطريقة تجعل الاستغلال أكثر صعوبة، وأكثر وضوحاً، وأكثر خضوعاً للمساءلة.
ما الذي تتطلبه الوقاية فعلياً؟
لا ينبغي فهم قضية تشاد بوصفها مجرد قصة عن سوء السلوك.
كما لا ينبغي فهمها فقط بوصفها دليلاً على فعالية التحقيقات.
بل إنها تكشف أمراً أكثر إزعاجاً.
لقد أصبحت العديد من المنظمات أفضل في الاستجابة لإخفاقات الحماية مما هي عليه في منع الظروف التي تنتج تلك الإخفاقات.
فالوقاية تتطلب أكثر من قنوات للإبلاغ. وأكثر من التدريب. وأكثر من الإجراءات التأديبية.
إنها تتطلب من المنظمات فحص كيفية ممارسة السلطة والقوة، وكيف تُنتَج علاقات الاعتمادية، ومن تُسمَع أصواتهم وأصواتهن، ومن يستطيع تحدي القرارات بأمان، وأين تستقر المساءلة في نهاية المطاف.
ذلك لأن الحماية لا تتعلق فقط بتحديد السلوك الضار.
بل تتعلق بفهم الأنظمة والعلاقات وبُنى السلطة والقوة التي تجعل ذلك السلوك ممكناً.
وإلى أن يُنظر إلى الحماية من هذا المنظور، ستستمر المنظمات في إجراء التحقيقات بشأن أضرار كانت تعتقد أنها قد منعتها بالفعل.
تواصلوا معنا
لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!