أثارت التقارير الأخيرة حول الإخفاقات في أنظمة الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة في البرامج الإنسانية في شرق تشاد نقاشاتٍ مهمة حول المساءلة المؤسسية، وإجراءات التحقيق، ودعم الناجيات ،والناجين.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية حقيقية.
كما تتيح فرصة للتأمل في أسئلة أوسع تتجاوز أي مؤسسة بعينها.
ورغم أن الملابسات الكاملة لكل ادعاء أُثير في تشاد ليست متاحة للعلن، وليس من دورنا تفسيرها، فإن هذه القضية تذكّرنا بجملةٍ من التحديات التي يواجهها العاملون والعاملات في مجال الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة بصورة متكررة عبر السياقات الإنسانية المختلفة. فمن خلال التحقيقات، والمراجعات المؤسسية، وممارسات الحماية، تتكرر الأسئلة ذاتها باستمرار.
لماذا يُعترف ببعض أشكال الأذى فوراً، بينما تبقى أشكالٌ أخرى غير مرئية لسنوات؟
ولماذا تدخل بعض المخاوف إلى منظومات الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة، في حين يُتعامل مع غيرها باعتبارها سوء إدارة، أو مخالفة مهنية، أو نزاعاً بين الأشخاص؟
ولماذا تعجز التصنيفات المؤسسية، في كثير من الأحيان، عن عكس الكيفية التي يختبر بها الأشخاص الأذى في واقعهم؟
لا تتعلق هذه الأسئلة بالجوانب التقنية فحسب.
بل تتعلق أيضاً بالطريقة التي تفهم بها منظومات الحماية السلطة وعلاقات القوة.
تعتمد الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة على التعريفات
ترتكز كل منظومة للحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة على مجموعة من التعريفات.
فهذه التعريفات هي التي تحدد الجهة التي ستتولى التعامل مع الحالة، والإجراءات التي سيجري اتباعها، والخبرات المطلوبة، وكيفية فهم المساءلة المؤسسية.
وبهذا المعنى، لا تقتصر وظيفة التعريفات على الوصف.
بل تؤدي دوراً حاكماً في تنظيم الممارسة المؤسسية.
فهي ترسم حدود ما تستطيع المؤسسات رؤيته والاعتراف به.
وتزداد أهمية ذلك عند النظر إلى الاستغلال الجنسي، والاعتداء الجنسي، والتحرش الجنسي.
إذ تضع كثير من أطر الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة تمييزاً واضحاً بين هذه الفئات. فغالباً ما يُعالَج التحرش الجنسي بين الزميلات والزملاء من خلال إجراءات الموارد البشرية أو سياسات السلوك المهني، بينما يُربط الاستغلال الجنسي في كثير من الأحيان بالعلاقات التي تشمل الأشخاص المتأثرين بالأزمات أو المستفيدين والمستفيدات من المساعدات.
وقد تكون هذه التمييزات مفيدة من الناحية الإدارية.
إلا أنها قد تخلق، في الوقت نفسه، نقاطاً عمياء.
ومن خلال عمل مركز التنمية والتعاون عبر الأوطان، نلاحظ باستمرار أن السلطة نادراً ما تتحرك وفق المخططات التنظيمية للمؤسسات.
فقد يتحكم المدير أو المديرة المباشرة في تجديد العقد. وقد يؤثر المشرف أو المشرفة في فرص الترقية، أو الانتداب، أو تقييم الأداء، أو الوصول إلى الفرص المهنية. وقد يمارس الموظفون والموظفات الدوليون سلطة على زملائهم وزميلاتهم من الكوادر الوطنية. كما قد يؤثر المستشارون والمستشارات في فرص العمل المستقبلية. وقد يمتلك أحد الزملاء أو الزميلات من ذوي المناصب العليا نفوذاً كبيراً من خلال السمعة، أو الشبكات المهنية، أو المكانة المؤسسية.
وتقوم جميع هذه العلاقات على أشكال مختلفة من الاعتماد.
وعندما يحدث سلوك جنسي غير مرغوب فيه داخل مثل هذه العلاقات، فلا ينبغي أن ينحصر السؤال في ما إذا كانت الأدلة الإرشادية للمؤسسة تصنف هذا السلوك بوصفه تحرشاً أو استغلالاً.
بل يتمثل السؤال الأهم في معرفة ما إذا كانت علاقات القوة قد قيّدت قدرة الطرف الآخر على ممارسة اختيارٍ حر وحقيقي.
فإذا ركزت تعريفات الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة على الوضع الوظيفي أو المؤسسي أكثر من تركيزها على علاقات القوة، فقد يُنظر إلى ديناميكيات الإكراه بوصفها مجرد مخالفة في بيئة العمل، رغم أنها قد تعكس في الوقت نفسه شكلاً من أشكال الاستغلال.
قد يتغير التصنيف.
أما علاقة القوة، فلا تتغير.
لا يستخدم الأشخاص دائماً لغة الحماية عند الإبلاغ
تتمثل إحدى القضايا التي تتكرر باستمرار عبر ممارسات الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة في طبيعة الإبلاغ ذاته.
إذ يسود في كثير من الأحيان افتراضٌ مفاده أن حالات الاستغلال والاعتداء الجنسي إما أن تُبلَّغ من خلال قنوات الحماية المخصصة لذلك، أو أنها لا تُبلَّغ إطلاقاً.
غير أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فكثيراً ما يفصح الأشخاص عن أجزاء من تجاربهم دون أن يصفوها بأنها استغلال أو اعتداء جنسي.
قد يتحدثون عن المحاباة.
أو التنمر.
أو سوء الإدارة.
أو إساءة استخدام السلطة.
أو الانتقام.
أو تضارب المصالح.
أو السلوك غير اللائق.
أو المخالفات المهنية.
وقد يعود ذلك أحياناً إلى عدم وضوح المصطلحات المؤسسية بالنسبة إليهم.
وأحياناً أخرى، قد يخشى الأشخاص أن يؤدي الإبلاغ الصريح عن الاستغلال الجنسي إلى تعريضهم لمخاطر شخصية أكبر.
وفي حالات أخرى، قد تكون ثقتهم بآليات الحماية محدودة.
وقد لا يكونون قد فسّروا تجربتهم بعد من خلال مفاهيم الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة.
ومهما يكن السبب، فمن المهم أن تتحلى المؤسسات بالحذر قبل افتراض أن قضايا الحماية لا تصل إليها إلا عبر قنوات الإبلاغ الخاصة بالحماية.
فمن خلال الممارسة المؤسسية، نلاحظ أن المخاوف التي تُبلَّغ في البداية باعتبارها مشكلات إدارية أو مخالفات مهنية قد تكشف لاحقاً عن أنماط من الإكراه، أو إساءة استخدام السلطة، أو الاستغلال الجنسي.
ولا يعني ذلك أن كل شكوى تتعلق بالمخالفات المهنية تُعد قضية حماية.
لكنه يعني أن منظومات الحماية ينبغي ألا تُصاغ بصورة ضيقة إلى الحد الذي يجعلها تتجاهل المؤشرات المبكرة لمجرد أنها وصلت تحت تصنيف مؤسسي مختلف.
فالحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة لا تقتصر على التحقيق في الادعاءات التي جرى توصيفها صراحةً بوصفها حالات استغلال أو اعتداء جنسي.
بل تشمل أيضاً القدرة على تمييز أنماط السلطة وعلاقات القوة قبل أن تظهر بوصفها إخفاقات واضحة في منظومة الحماية.
عندما تُجزّئ التصنيفات التقنية التجارب المعيشة
يتعلق تحدٍ آخر يتكرر باستمرار بالعلاقة بين الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
ففي الأنظمة الإنسانية، غالباً ما يُتعامل مع الاستغلال والاعتداء الجنسي (SEA)، والعنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV)، والعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي (SGBV) بوصفها مجالات تقنية منفصلة، لكل منها أدلتها الإرشادية، وآليات تمويلها، وخبراتها المتخصصة، ومتطلبات الإبلاغ الخاصة بها.
ولا شك أن لهذه التمييزات قيمة عملية.
إلا أن حياة الناس لا تنسجم، في الغالب، مع الحدود التي ترسمها البنى المؤسسية.
فقد تكون المتطوعة المجتمعية لاجئة أيضاً.
وقد يعتمد العامل أو العاملة في القطاع الصحي على المساعدات الإنسانية في الوقت نفسه.
وقد يكون العامل أو العاملة بعقد مؤقت موظفاً أو موظفة، وعضواً في المجتمع المحلي، ومتلقياً أو متلقيةً للمساعدات الإنسانية في آن واحد.
وقد يختبر الشخص نفسه التحرش في مكان العمل، والاستغلال المرتبط بعلاقة العمل، والعنف داخل الأسرة، والاستغلال المرتبط بالحصول على المساعدات الإنسانية.
ومن منظور المؤسسة، قد تُصنَّف هذه التجارب ضمن أطر مختلفة.
أما من منظور الشخص الذي يعيش هذه التجارب، فإنها غالباً ما تكون مترابطة، وتشكلها علاقات النوع الاجتماعي، والاعتماد، والتمييز، واختلال موازين القوة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الأنظمة المؤسسية قد تُجزّئ، من غير قصد، تجارب يختبرها الأشخاص بوصفها تجربة واحدة متصلة.
ومن المهم الحفاظ على الوضوح المفاهيمي في مجال الحماية.
غير أن هذا الوضوح لا ينبغي أن يأتي على حساب فهم الكيفية التي تعمل بها السلطة عبر مختلف جوانب حياة الناس.
تجاوز الامتثال التقني
حقق القطاع الإنساني تقدماً مهماً خلال السنوات الأخيرة في تعزيز منظومات الحماية من الاستغلال والانتهاك والإساءة. فقد تحسنت آليات الإبلاغ، وأصبحت إجراءات التحقيق أكثر متانة، كما أصبحت الممارسات التي تتمحور حول الناجيات والناجين ركناً أساسياً في الاستجابات المؤسسية.
ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه التطورات.
غير أن قوة الإجراءات لا تعني بالضرورة قوة التحليل.
فقد تمتلك مؤسسة سياسات شاملة، ومع ذلك تخفق في فهم الكيفية التي يظهر بها الاستغلال في مراحله الأولى.
وقد تتلقى المؤسسة شكاوى متكررة تتعلق بالمخالفات المهنية، من دون أن تتمكن من تمييز أنماط أوسع من الإكراه.
وقد تُصر على الفصل الحاد بين الحماية، والموارد البشرية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى درجة يصبح معها إدراك الترابط بينها أكثر صعوبة.
وعليه، فإن التحدي لا يتمثل في تحسين إجراءات الحماية فحسب.
بل في تعزيز التحليل الذي تستند إليه ممارسات الحماية.
لأن الحماية، في جوهرها، ممارسة تفسيرية.
فهي تعتمد على قدرة الأشخاص على تمييز علاقات القوة، وفهم الاعتماد، والتعرف إلى الإكراه، وإدراك أن الأذى نادراً ما يصل إلى المؤسسات وقد صُنِّف مسبقاً وفق فئاتها الإدارية.
إظهار ما تعلّمت المؤسسات ألّا تراه
تذكّرنا القضايا، مثل تلك التي أُثيرت في تشاد، بأن اختبار منظومات الحماية لا يبدأ عند ظهور الادعاءات.
بل يبدأ قبل ذلك بكثير.
يبدأ في الطريقة التي تعرّف بها المؤسسات الأذى.
وفي الكيفية التي تفسّر بها المخاوف.
وفي الطريقة التي تميّز بها بين المخالفات المهنية والاستغلال.
وفي فهمها لعلاقات القوة.
وفي استعدادها لإعادة النظر في الأطر المفاهيمية التي تنظّم الحماية نفسها.
إن أقوى منظومات الحماية ليست تلك التي تمتلك أكثر الإجراءات شمولاً.
بل تلك القادرة على التعرف إلى الأذى قبل أن يتوافق مع التعريفات المؤسسية.
لأن المؤسسات لا تستطيع الاستجابة لما لم تتعلم بعد كيف تراه.
تواصلوا معنا
لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!