في لحظات الأزمات، تميل المنظمات إلى طرح السؤال ذاته: كيف يمكن الاستجابة؟
وعادةً ما تكون الإجابات مألوفة: تفعيل بروتوكولات الحماية، إصدار الإرشادات، توسيع خدمات الرفاه، والتنسيق عبر الهياكل الرسمية.
غير أنّ ما يتكرّر ملاحظته — عبر سياقات وقطاعات ومستويات مختلفة — هو أنّ هذه الاستجابات، رغم ضرورتها، نادراً ما تكون كافية.
ولا يعود ذلك إلى عدم رغبة المنظمات في التحرّك، بل إلى أنّ العديد من الأنظمة التي تعتمد عليها ليست مصمّمة للتعامل مع الاضطراب.
لا تكمن المشكلة في القدرة، بل في التوجّه.
إذ تقوم معظم الاستجابات المؤسسية للأزمات على مجموعة من الافتراضات الأساسية:
- أنّ الاحتياجات يمكن توقّعها وتصنيفها
- وأنّ الدعم يمكن تقديمه عبر قنوات رسمية
- وأنّ التنسيق يتطلّب مركزية
- وأنّ المساءلة تتحقّق من خلال الإجراءات
تظلّ هذه الافتراضات صالحة في ظروف الاستقرار النسبي، غير أنّها تبدأ في التصدّع تحت الضغط.
ففي الأزمات، تكون الاحتياجات متغيّرة وغير متكافئة، وغالباً ما تظلّ غير مرئية للأنظمة الرسمية. كما لا يعيش الأشخاص الاضطراب بالطريقة نفسها أو في الوقت ذاته، وتكون المعلومات جزئية، بينما تتعرّض الثقة للاهتزاز.
وفي ظل هذه الظروف، تجد الأنظمة التي تعطي الأولوية للضبط والامتثال وقابلية التنبؤ صعوبة في الاستجابة ذات المعنى.
وعليه، لا تتمثّل الإشكالية في أنّ المؤسسات تقوم بالقليل، بل في أنّها غالباً ما تتحرّك وفق منطق غير ملائم.
ما الذي يصبح مرئياً في لحظات الاضطراب
لا تقتصر الأزمات على كشف الهشاشة، بل تُظهر أيضاً مواضع القدرة الفعلية.
وعبر مختلف السياقات، يتّضح باستمرار أنّ أشكال الدعم الأكثر فورية واستجابة لا تكون مؤسسية.
بل تتمثّل في:
- الشبكات غير الرسمية بين الزملاء والزميلات
- أشكال الدعم المتبادل داخل الفرق والمجتمعات
- ممارسات الرعاية التي تُنظَّم دون إذن أو هيكلة
- منظومات المعتقدات المشتركة التي تمكّن الأشخاص من الصمود والفعل
غالباً ما لا يُعترف بهذه الأشكال بوصفها “أنظمة”، بل يُشار إليها على أنّها عفوية أو ارتجالية أو مؤقتة.
غير أنّها ليست عرضية ولا ثانوية، بل تشكّل البنية التحتية للرعاية الجماعية.
وفي كثير من الحالات، تستجيب هذه الأشكال بسرعة أكبر وبملاءمة أعلى وبحساسية أعمق مقارنةً بالآليات الرسمية.
حدود الخيال المؤسسي
توجد نزعة مستمرة — ولا سيما داخل المنظمات الرسمية — إلى التعامل مع الاستجابة للأزمات بوصفها تحدّياً تقنياً.
ويؤدّي ذلك إلى حلول متوقّعة: المزيد من الأدوات، المزيد من آليات التنسيق، والمزيد من الأطر.
غير أنّ هذا التأطير يضيّق نطاق ما يمكن إدراكه. إذ يُقصي أشكال الرعاية والتنظيم التي لا تنسجم مع التصنيفات المؤسسية، ويمنح الأفضلية للحجم على حساب القرب، وللظهور على حساب الفعالية، وللبنية على حساب العلاقة.
ولا تقتصر المخاطر هنا على عدم الكفاءة، بل تشمل سوء التعرّف.
فعندما تفشل المنظمات في إدراك مواضع الاستجابة الفعلية القائمة بالفعل، فإنّها قد:
- تتجاهل القدرات القائمة
- تكرّر الاستجابات المحلية أو تعرقلها
- تفرض حلولاً غير مناسبة
- وتتسبّب، من حيث لا تقصد، في إحداث ضرر
ولا يعود ذلك إلى خلل في النية، بل إلى خلل في التوجّه.
الرعاية ليست خدمة، بل علاقة
تُظهر التجارب المتكرّرة في سياقات الأزمات أنّ الرعاية لا يمكن اختزالها في تقديم الخدمات.
فهي ليست مجرّد شيء يُنقَل من جهة فاعلة إلى أخرى.
بل تعمل الرعاية من خلال:
- الثقة
- القرب
- المسؤولية المشتركة
- المعرفة الاجتماعية والثقافية
- إنتاج المعنى بشكل جماعي
ولهذا السبب، غالباً ما تكون الاستجابات القائمة على العلاقات — حتى في ظل محدودية الموارد — أكثر فاعلية من تلك التي تُقدَّم عبر الأنظمة الرسمية وحدها.
كما يفسّر ذلك لماذا تفشل محاولات تقنين الرعاية أو توسيع نطاقها دون مراعاة هذه الديناميكيات.
وعليه، لا تكمن المسألة في انسحاب المؤسسات، بل في إدراك حدودها.
إعادة التفكير في المسؤولية داخل المنظمات
يطرح ذلك على المنظمات سؤالاً أكثر تعقيداً:
ليس كيف يمكن تقديم الرعاية،
بل ما الذي يعنيه تحمّل المسؤولية في ظروف تكون فيها الأنظمة غير كافية؟
تنطلق الاستجابة الأكثر ترسيخاً من تحوّل في التوجّه:
١. الانتقال من التقديم إلى الاعتراف
أي الاعتراف بمواضع الرعاية القائمة بالفعل، وضمان ألّا تؤدّي ممارسات المنظمة إلى تقويضها.
٢. الانتقال من الضبط إلى الاستجابة
أي إتاحة المجال لاتخاذ قرارات لامركزية ومراعية للسياق بدلاً من فرض مقاربات موحّدة.
٣. الانتقال من الإجراء إلى المساءلة العلائقية
أي فهم المساءلة ليس فقط بوصفها امتثالاً، بل بوصفها مسؤولية تجاه الأشخاص والعلاقات والنتائج.
٤. الانتقال من الظهور إلى الفعالية
أي تقدير الاستجابات التي تنجح، حتى وإن كانت غير رسمية أو صغيرة النطاق أو صعبة القياس.
٥. الانتقال من مركزية المؤسسة إلى التعدّد
أي الإقرار بأنّ المنظمات ليست — ولا ينبغي أن تكون — الجهات الوحيدة الفاعلة في الاستجابة للأزمات.
نقطة انطلاق مختلفة
تُربك الأزمات السلطة المؤسسية، إذ تكشف مواضع هشاشة الأنظمة ومواضع إرهاقها.
غير أنّها تتيح أيضاً مدخلاً مختلفاً للتفكير في الرعاية والمسؤولية والتنظيم.
وبدلاً من التساؤل عن كيفية توسيع الأنظمة القائمة، يمكن للمنظمات أن تتساءل:
- ما الذي لا نراه بسبب الطريقة التي نعرّف بها الاستجابة؟
- أين نفترض سلطة لا نملكها فعلياً؟
- ماذا يعني أن نتحرّك بطرق تعزّز الرعاية الجماعية بدلاً من أن تستبدلها؟
وهذه ليست أسئلة تشغيلية، بل أسئلة أخلاقية.
تأمّل ختامي
غالباً ما تتمحور لغة الاستجابة للأزمات حول المؤسسات: خططها، قدراتها، وتنسيقها.
غير أنّ الأزمات تعيد تمركز شيء آخر.
إنّها تعيد تمركز الأشخاص — والعلاقات التي تحافظ عليهم.
ويكتسب ذلك أهمية لأنّه يتحدّى افتراضاً أساسياً مفاده أنّ الاستجابة المنظّمة يجب أن تكون مؤسسية دائماً.
بل يشير إلى أنّ ما يحافظ على الحياة في لحظات الاضطراب لا يقتصر على ما تقوم به المنظمات،
وإنّما يشمل أيضاً ما يستطيع الأشخاص القيام به لبعضهم البعض — غالباً رغم الأنظمة المحيطة بهم.
كيف يدعم CTDC المنظمات في سياقات الأزمات
من خلال عمله، يدعم CTDC المنظمات العاملة في بيئات معقّدة وغير متكافئة ومشحونة سياسياً — ولا سيما حيث تثبت المقاربات التقليدية للحماية والرعاية والاستجابة قصورها.
ويشمل ذلك:
- تحليل كيفية عمل الأنظمة التنظيمية تحت الضغط
- تحديد مواضع عدم توافق الاستجابات المؤسسية مع الواقع المعاش
- تعزيز مقاربات الحماية من خلال المساءلة العلاقاتية
- دعم القيادات في اتخاذ قرارات مؤسَّسة أخلاقياً في ظروف غير يقينية
ولا ينطلق عمل CTDC من الحلول،
بل يبدأ من كيفية فهم المنظمات للمسؤولية — وما الذي هي مستعدة لتغييره عندما لا تعود أنظمتها كافية.
تواصلوا معنا
لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!