كثيرًا ما يُقدَّم التحيّز باعتباره قصورًا شخصيًا، أي إخفاقًا فرديًا في الحكم يمكن تصحيحه بالوعي والتدريب أو بتحسين النوايا. وفق هذا التصور، يكمن التحيّز أساسًا في أذهان الأفراد، ويتمحور الحل حول تعلّم التعرف إلى تحيزاتنا المسبقة وتصحيحها.
غير أن هذا المنظور، وإن كان يُلمّ بجانب من المشكلة، يحجب في الوقت ذاته ما هو أعمق وأكثر جوهرية. إذ إن التحيّز ليس ظاهرة نفسية وحسب، بل هو ظاهرة تشكّلها المواقع الاجتماعية التي نحتلها، والسلطة التي نمتلكها داخل المؤسسات، والمسارات اللاواعية التي نفسّر من خلالها العالم من حولنا.
ومن هنا، يستلزم فهم التحيّز تجاوز خطاب المواقف الفردية، والانتقال إلى فحص آليات تشكيل الموقعية والقوة والديناميكيات اللاواعية لطريقة رؤيتنا للآخرين والأخريات وتعاملنا معهم ومعهن.
ذلك أن وجهات نظرنا ليست محايدة في أي وقت من الأوقات.
وهم الراحة في النوايا
يدور جانب كبير من النقاش المعاصر حول التحيّز في فلك النية. فحين يقع ضرر ما، يكون السؤال الأول الذي يُطرح في الغالب: هل قصد الشخص المسؤول إلحاق هذا الضرر؟
يوفّر هذا التركيز على النية نوعًا من الطمأنينة، إذ يُتيح للأفراد والمؤسسات الحفاظ على إحساسهم بالبراءة الأخلاقية، من خلال التمييز بين التمييز المتعمّد والسلوك غير المقصود.
بيد أن التحيّز لا يشترط النية لكي يعمل.
تعمل كثير من أشكال التحيّز بصورة ضمنية، من خلال افتراضات وتوقعات وتفسيرات تبدو معقولة تمامًا لمن يحملها. ونادرًا ما تُختبَر هذه الافتراضات بوصفها تحيزًا مسبقًا، بل تظهر في صورة حكم مهني أو حدس أو منطق بديهي.
لكن ما يبدو منطقًا بديهيًا كثيرًا ما تشكّله الأعراف والتسلسلات الهرمية المحيطة بنا.
فالبيئات التي نعيش فيها من ثقافات مهنية وخلفيات اجتماعية وأطر مؤسسية، تصوغ بصمت ما نراه مقبولًا وكفؤًا وشرعيًا.
الموقعية وحدود الحياد
تتشكّل تفسيراتنا للعالم دائمًا بفعل الموقعية، أي المواقع الاجتماعية التي نحتلها داخل منظومات القوة الأشمل.
تشمل الموقعية أبعادًا من قبيل الطبقة الاجتماعية والجنس والجنسية والعرق واللغة والتعليم والدين ووضع المواطنة. وتؤثّر هذه العوامل لا في طريقة تعاملنا مع المؤسسات فحسب، بل في طريقة استجابة المؤسسات لنا أيضًا.
قد يصل الأشخاص والشخصيات الذين واللواتي عوملوا باستمرار بوصفهم موثوقين وموثوقات إلى تجربة وجهة نظرهم ووجهة نظرهن بوصفها محايدة أو موضوعية. فنادرًا ما تُساءَل سلطتهم، وكثيرًا ما تُقبَل أحكامهم كما هي دون تدقيق.
في المقابل، قد يكون آخرون وأخريات مضطرين إلى إثبات كفاءتهم وشرعيتهم وشرعيتهن وحقهم في التواجد ضمن الفضاءات المهنية مرارًا وتكرارًا. وكثيرًا ما تُولّد هذه التجربة وعيًا أدق بمدى عدم توزيع المصداقية والقوة بالتساوي.
ولا تقوم أيٌّ من هاتين الوجهتين خارج البنى الاجتماعية التي تشكّلهما.
فقد يرصد شخصان الموقف ذاته ويصلان إلى تفسيرات مختلفة تمامًا. فما يبدو معقولًا ومهنيًا من موقع ما قد يبدو إقصائيًا أو استخفافيًا من موقع آخر.
لا يُضعف الاعتراف بالموقعية الخبرةَ أو الحكمَ المهني، بل يُذكّرنا بأن كل المعرفة موقعيّة. فوجهات نظرنا تتأثر دائمًا بالمواقع التي نحتلها والتجارب التي شكّلتنا.
القوة وتوزيع المصداقية
يغدو التحيّز بالغ الأثر حين يتقاطع مع القوة.
كثيرًا ما ترتبط القوة بالسلطة الرسمية من مناصب قيادية وأدوار إدارية ومسؤوليات اتخاذ القرار. غير أن القوة تعمل أيضًا في أشكال أكثر دقة، إذ يمكن أن تنشأ عبر السمعة والخبرة والمكانة المؤسسية والانسجام مع الأعراف السائدة في الاحترافية.
تؤثّر هذه الأشكال من القوة في تحديد من تُؤخَذ أصواتهم وأصواتهن بجدية ومن يُشكَّك في تجاربهم وتجاربهن.
في كثير من البيئات المهنية، لا تُوزَّع المصداقية بالتساوي؛ فثمة أشخاص يُمنحون وتُمنح الثقة بصورة تلقائية، بينما يضطر آخرون وأخريات إلى إثبات كفاءتهم وكفاءتهن وشرعيتهم وشرعيتهن مرارًا. وبعض وجهات النظر تُستقبَل بوصفها إسهامات موثوقة، بينما تُفسَّر أخرى بوصفها انفعالية أو ذاتية أو مُخلّة.
كثيرًا ما تتطور هذه الأنماط دون قصد متعمّد، إذ تتكاثر من خلال التفاعلات اليومية والافتراضات والثقافات المؤسسية.
وبمرور الوقت، تصنع هذه الأنماط من يشعر بقدرته وقدرتها على الكلام، ومن يشعر بأنه مسموع وأنها مسموعة حين يتكلم ويتكلم، ومن تُقبَل تفسيراته وتفسيراتها للأحداث بوصفها موثوقة وحاسمة.
البُعد التحليلي النفسي للتحيّز
يتغذّى التحيّز أيضًا على ديناميكيات نفسية تعمل تحت سطح الوعي.
من منظور تحليلي نفسي، كثيرًا ما تتشكّل إدراكاتنا للآخرين والأخريات بفعل مسارات من قبيل الإسقاط والتماهي والدفاع. إذ نفسّر سلوك الآخرين والأخريات عبر أطر انفعالية هي نفسها مشكَّلة بتاريخنا وتجاربنا والأعراف الاجتماعية التي تشربناها.
والإسقاط ذو أهمية بالغة في هذا السياق؛ إذ يحدث حين نعزو افتراضاتنا وقلقنا وتوقعاتنا إلى الآخرين والأخريات معتقدين ومعتقدات أننا نستجيب بموضوعية لسلوكهم.
غير أن هذه الإسقاطات نادرًا ما تتعلق بأشخاص بصورة عشوائية، بل هي مشكَّلة بالموقعيات وعلاقات القوة والسلطة التي تبنّي بيئاتنا.
فعلى سبيل المثال، قد نفسّر لاوعيًا سلوك من يحتلون مواقع سلطة مؤسسية بدون الريبة أو الشك، في حين نمنح قدرًا أكبر من المصداقية والصبر لمن يحتلون مواقع خبرة أو شرعية معترف بها.
وعليه، يمكن أن يُفسَّر السلوك ذاته بصورة مختلفة تبعًا لمن يصدر عنه.
فالثقة بالنفس قد تُرى قيادة حين يُعبّر عنها شخص تُعترَف سلطته أصلًا، بينما تُفسَّر غرورًا حين يُعبّر عنها شخص تُزعزَع شرعيته لاوعيًا. والاختلاف في الرأي قد يُرحَّب به بوصفه انخراطًا فكريًا من زميل أو زميلة محترم أو محترمة، بينما يُصنَّف عدوانًا أو تمردًا حين يصدر عمّن يحتلون مرتبة أدنى في التسلسل الهرمي المؤسسي.
كثيرًا ما تبدو هذه التفسيرات عقلانية لأنها تتسق مع الأعراف المؤسسية التي تشربناها. غير أنها مشكَّلة في الوقت ذاته باستجابات انفعالية لاواعية تعكس أنماطًا أشمل للسلطة والشرعية.
بهذا المعنى، ردود أفعالنا النفسية ليست منفصلة عن العالم الاجتماعي، بل هي متشكّلة في داخله.
يستلزم الاعتراف بهذا البُعد من أبعاد التحيّز الأطر الانفعالية التي نفسّر من خلالها الآخرين والأخريات وليس بفحص قراراتنا وحسب.
المساءلة بديلًا عن الحياد
لا يتمثّل الهدف من مواجهة التحيّز في القضاء على الذاتية أو بلوغ الحياد التام، إذ إن الحياد وهم.
بدلًا من ذلك من المهم تنمية المساءلة.
يعني ذلك الاعتراف بأن وجهات نظرنا تتشكّل بالمواقع التي نحتلها والسلطة والقوة التي نمتلكها داخل المؤسسات. ويعني الإقرار بأن تفسيراتنا ليست منفصلة كليًا عن السياقات الاجتماعية والنفسية التي شكّلتها.
تستلزم ممارسة المساءلة طرح أسئلة مُزعجة:
من نثق بهم وبهن فطريًا؟
من نُشكّك في مصداقيتهم ومصداقيتهن؟
من تُسمَع أصواتهم وأصواتهن بيسر، ومن يضطرون ويضطررن إلى النضال من أجل الاعتراف بهم؟
لا تُفضي هذه الأسئلة إلى إجابات بسيطة. لكنها تفتح فضاءً لممارسة أكثر تأملًا ومسؤولية.
سيظل التحيّز قائمًا دائمًا. المهم هو ما إذا كنّا مستعدين ومستعدات لفحص كيفية تأثير سلطتنا وموقعياتنا وافتراضاتنا اللاواعية في طريقة رؤيتنا للآخرين والأخريات.
لأن المشكلة ليست مجرد وجود التحيّز.
المشكلة هي الاعتقاد بأن أحكامنا محايدة حقًا.
من التأمل إلى الممارسة
هذه الأسئلة ليست نظرية بحتة، بل هي جوهرية لأسلوب عمل المؤسسات وللقرارات التي يتخذها المهنيون والمهنيات يوميًا.
في مركز التنمية والتعاون عبر الأوطان (CTDC)، تشكّل هذه الديناميكيات محورًا أساسيًا في عملنا الاستشاري والتعليمي. من خلال التشخيصات المؤسسية والتيسير وبرامج التعلم المهني، ندعم المؤسسات والممارسين والممارسات في فحص كيفية تأثير التحيّز والموقعية وعلاقات السلطة في ثقافاتها المؤسسية وعمليات اتخاذ القرار وممارسات الحماية.
تُشرك برامجنا التعليمية وتدريباتنا على وجه الخصوص المشاركين والمشاركات في تأمل نقدي حول التحيّز الضمني والسلطة وعلاقات القوة، بما يساعد المهنيين والمهنيات على استيعاب كيفية تأثير الافتراضات اللاواعية في المصداقية والمساءلة والاستجابة للأذى. وبدلًا من تناول التحيّز بوصفه مشكلة فردية وحسب، تستكشف هذه البرامج كيف تشكّل البيئات المؤسسية والتسلسلات الهرمية والأعراف المهنية الطريقة التي يفسّر بها الناس بعضهم وبعضهن ويتفاعلون ويتفاعلن مع بعضهم وبعضهن.
لا يتعلق تنمية هذا الوعي ببلوغ الحياد التام، بل بتنمية القدرة التحليلية والأخلاقية على استيعاب كيف تشكّل السلطة والموقعية إدراكاتنا والتصرف بمسؤولية أكبر انطلاقًا من ذلك.
تواصلوا معنا
لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!