غالباً ما يتم التعامل مع المساءلة باعتبارها متطلباً إجرائياً أي كأمر ينبغي الإبلاغ عنه أو مراجعته أو إثباته بعد وقوعه. إلا أنّ المساءلة المؤسسية في الواقع أعمق بكثير من ذلك. فهي ليست آلية ثابتة، بل عملية مستمرة ومتغيرة تشكّل كيفية تفاعل المؤسسات مع القوة، ومع الناس، ومع الغاية التي تسعى لتحقيقها.
ولفهم المساءلة بشكل دقيق، يقتضي الأمر تجاوز القوائم الإجرائية والنظر إليها كنظام حيّ يتجذّر داخل أنماط الحوكمة، والثقافة المؤسسية، وعمليات اتخاذ القرار اليومية
ماذا نعني بالمساءلة المؤسسية؟
تتمثّل المساءلة المؤسسية، في جوهرها، في كيفية ممارسة المؤسسات للسلطة وتحملها للمسؤولية تجاه من يتأثرون بعملها. وتقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة:
- الأخذ في الاعتبار: فهم أثر القرارات والممارسات والبُنى المؤسسية
- تقديم الحساب: ضمان الشفافية في النوايا والإجراءات والنتائج
- الخضوع للمساءلة: تهيئة الظروف التي تمكّن الآخرين والأخريات من التساؤل والتأثير والمساءلة
يؤدي ذلك إلى الانتقال من مساءلة أحادية الاتجاه (تُمارَس من الأسفل إلى الأعلى) إلى ممارسة علاقاتية تُبنى عبر التفاعل بين مختلف الجهات الفاعلة والأنظمة والسياقات.
ومن المهم هنا التأكيد على أنّ المساءلة ليست محايدة؛ بل تتشكّل عبر علاقات القوة—من يحدّد الأولويات، ومن تُسمَع أصواتهم وأصواتهن، ومن يتم تهميش تجاربهم وتجاربهن.
المساءلة كنظام، لا كأداة
تسعى العديد من المؤسسات إلى “تطبيق المساءلة” من خلال أدوات منفصلة، مثل استمارات التغذية الراجعة أو عمليات التدقيق أو السياسات. وعلى الرغم من أهمية هذه الأدوات، إلا أنّها غير كافية بمفردها.
تتحقق المساءلة الفعّالة من خلال نظام متكامل يقوم على أربعة مستويات مترابطة:
الحوكمة والقيادة
تُحدّد القيادة ملامح المساءلة من خلال أنماط اتخاذ القرار، ومستوى الشفافية، والانفتاح على المساءلة. وبدون التزام القيادة، تتحوّل آليات المساءلة إلى ممارسات شكلية لا تحمل معنى فعلياً.
العمليات التشغيلية
يتطلّب الأمر العمل على دمج المساءلة ضمن كيفية تصميم العمل وتنفيذه وتقييمه، وليس إضافتها كعنصر لاحق.
العلاقات والمشاركة
لا تقتصر مساءلة المؤسسات على أنظمتها الداخلية، بل تمتد إلى كيفية تفاعلها مع الآخرين والأخريات من شركاء وشريكات، وموظفين وموظفات، ومجتمعات أوسع.
التعلّم والتكيّف
تستلزم المساءلة الاستجابة. إذ ينبغي أن تؤدي التغذية الراجعة إلى تأمّل، وأن يقود التأمّل إلى تغيير.
وعندما تنفصل هذه المستويات عن بعضها، تصبح المساءلة مجزأة وشكلية.
الركائز الخمس للمساءلة الفاعلة
تستند أنظمة المساءلة القوية إلى خمس ركائز أساسية:
- الإتاحة و الوصولية
يتطلّب الأمر ضمان أن تكون آليات المساءلة متاحة، ومفهومة، وقابلة للاستخدام من قبل من تستهدفهم. ويشمل ذلك اللغة، والصيغة، ووسائل الوصول. - المشاركة الهادفة
لا يقتصر دور الأفراد المتأثرين والمتأثرات على تلقي المعلومات، بل يمتد إلى التأثير الفعلي في القرارات. لذلك، ينبغي أن تتجاوز المشاركة حدود الاستشارة الشكلية. - الاستجابة
تُقاس المساءلة بمدى استجابة المؤسسات—من حيث التوقيت، والجودة، والاستعداد لاتخاذ إجراءات بناءً على التغذية الراجعة. - السلامة والحماية
يستدعي الأمر ضمان بيئة آمنة تمكّن الأفراد من التعبير عن آرائهم ومخاوفهم دون خوف من الأذى أو الانتقام أو الإقصاء. - الشفافية وإمكانية التنبؤ
يساهم الوضوح في التواصل، واتساق الإجراءات، والانفتاح في اتخاذ القرار في بناء الثقة وترسيخ المساءلة.
وتؤكد هذه الركائز أنّ المساءلة تجمع بين البُعد التقني والبُعد العلاقاتي فهي تتطلب أنظمة، كما تتطلب ثقة.
التحديات الشائعة: متى تفشل المساءلة؟
على الرغم من النوايا الإيجابية، تتكرّر أنماط فشل المساءلة:
- الانحياز التصاعدي: إعطاء الأولوية للتقارير الموجّهة للمانحين أو القيادات على حساب المتأثرين والمتأثرا
- المشاركة الشكلية: إشراك الأفراد دون تمكينهم فعلياً من التأثير
- التغذية الراجعة دون استجابة: جمع الآراء دون ترجمتها إلى تغييرات
- غياب الشفافية في اتخاذ القرار
- مركزية القوة والسلطة: الحدّ من قدرة الآخرين والأخريات على المساءلة أو التأثير
ولا تحدث هذه الإخفاقات بشكل عشوائي، بل تعكس أنماطاً أعمق في الثقافة المؤسسية وعلاقات القوة.
إعادة تأطير المساءلة كممارسة أخلاقية
يقتضي تجاوز هذه التحديات إعادة التفكير في المساءلة:
- من الامتثال إلى المسؤولية
- من التقارير إلى العلاقة
- من التحكم إلى تقاسم القوة والسلطة
- من السياسات الثابتة إلى الأنظمة التكيفية
ويتطلب ذلك الاعتراف بأنّ المساءلة ليست مسألة كمال، بل هي عملية مستمرة، ترتبط بسياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية أوسع تؤثر في عمل المؤسسات.
بناء المساءلة في الممارسة
لضمان أن تكون المساءلة ممارسة متجذّرة، ينبغي العمل على:
- دمج المساءلة منذ مرحلة التصميم
- تنويع قنوات التغذية الراجعة
- إغلاق حلقة التغذية الراجعة من خلال توضيح ما تم سماعه وما تم تغييره
- توزيع القوة والسلطة داخل المؤسسة
- ربط المساءلة بعمليات التعلّم والتكيّف
لماذا تكتسب المساءلة أهمية اليوم؟
في ظل بيئات متزايدة التعقيد وعدم اليقين، تخضع المؤسسات لمساءلة متزايدة—ليس فقط بشأن ما تحققه، بل حول كيفية تحقيقه.
وأصبحت المساءلة عنصراً أساسياً في:
- الشرعية: بناء الثقة مع من يتم العمل معهم
- الفعالية: تصميم تدخلات تستجيب لاحتياجات فعلية
- الاستدامة: تطوير أنظمة قادرة على التكيّف والاستمرار
وفي جوهرها، تمثّل المساءلة ممارسة أخلاقية تضمن عدم إعادة إنتاج الأذى أثناء السعي لتحقيق الأثر.
تأمل ختامي
لا تُعدّ المساءلة المؤسسية نقطة وصول، بل عملية مستمرة من التفاوض بين القوة، والمسؤولية، والعلاقة.
السؤال ليس ما إذا كانت المؤسسة خاضعة للمساءلة، بل:
لمن؟ وكيف؟ وبأي تبعات؟
وفي النهاية:
هل صُمّمت الأنظمة لحماية المؤسسة، أم لخدمة من وُجدت من أجلهم ومن أجلهن؟
العمل مع CTDC
تعمل CTDC على دعم المؤسسات في تحويل المساءلة من مبدأ إلى ممارسة.
نركّز على:
- تشخيص فجوات المساءلة وتحليل ديناميكيات القوة
- تصميم أطر وآليات عملية تستند إلى السياق
- دمج المساءلة ضمن الممارسات اليومية، وليس فقط السياسات
- تيسير مساحات للتفكير وإعادة المواءمة المؤسسية
يرتكز عملنا على فهم السياق، والالتزام الأخلاقي، والتعامل مع التعقيد المؤسسي، بما يضمن أن تكون المساءلة ممارسة فعلية ومستدامة.
إذا كانت مؤسستكم تسعى إلى تعزيز المساءلة بشكل فعّال وذي معنى، توفّر CTDC الدعم الاستراتيجي والعملي اللازم لتحقيق ذلك.
تواصلوا معنا
لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!