Research 1 Research 2 Research 3

لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على كيفية الكتابة فحسب؛ بل يمتد ليشمل كيفية التعامل مع البيانات، وكيفية تفسير الأدلة، ومدى سهولة انتقال العمل البحثي إلى فضاءات صنع القرار.

وعليه، فإنّ البحث الأخلاقي في عصر الذكاء الاصطناعي يتطلّب أكثر من الحذر من “الهلاوس”. إذ يتطلّب حوكمةً واضحة المعالم: تحديد حدود صريحة، واتخاذ قرارات قابلة للتتبّع، واعتماد مناهج منضبطة لا تنهار تحت الضغط.

أخلاقيات البيانات: المصدر، والموافقة، والخصوصية، والحوكمة ليست شؤوناً إدارية

غالباً ما يدفع استخدام الذكاء الاصطناعي الباحثين والباحثات إلى علاقات متساهلة مع البيانات؛ من خلال الكشط، والرفع، وإعادة التنسيق، والمشاركة عبر أدوات متعددة، مع إيلاء اهتمام محدود للأضرار اللاحقة.
وتبرز هنا أربعة حدود أساسية:

1.    المصدر
من أين جاءت البيانات؟ وتحت أي شروط جرى إنتاجها؟ وما الالتزامات المترتّبة على هذا الأصل، ولا سيما عندما تُستخلص المعرفة من مجتمعات ذات عائد محدود

2.    الموافقة بما يتجاوز منطق مربعات الاختيار
إنّ الإتاحة العلنية لا تعني الإتاحة الأخلاقية. إذ تتطلّب المجموعات الهشّة والبيئات المقيّدة اعتماد منظور قائم على منع الضرر، لا مقاربة قانونية شكلية.

3.    السرّية و“مناطق عدم الرفع”
إذا لم يكن من المقبول نشر البيانات الخام على موقع عام، فلا ينبغي إدخالها في أنظمة طرف ثالث ذات سياسات احتفاظ وتدريب غير شفافة. كما أنّ نزع التعريف ليس درعاً سحرياً؛ إذ غالباً ما يكون إعادة التعريف أسهل مما يُفترض.

4.    حوكمة قابلة للصمود أمام التدقيق
إنّ التخزين، وضبط الوصول، وإدارة النسخ، وفترات الاحتفاظ، واتفاقات الفريق، تُعدّ جزءاً من نزاهة البحث، لا بيروقراطية زائدة. وعملياً، تمثّل الحوكمة المجال الذي تصبح فيه الأخلاقيات قابلة للتنفيذ.

ولا يقتصر البحث الأخلاقي على ما كان مقصوداً فعله؛ بل يشمل أيضاً ما تتيحه مسارات العمل من إمكانات—ولصالح من.

البحث النوعي: المساندة دون إحلال التحليل

في العمل النوعي، تتضاعف الرهانات؛ لأن المعنى لا يُستخرج كما يُستخرج معدن، بل يُجادَل بشأنه—من خلال السياق، والحكم التأمّلي، والتفسير القابل للتتبّع.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساند في:

  • المساعدة في التفريغ النصّي (مع إجراء فحوصات الجودة)،

  • التنظيم والاسترجاع،

  • اقتراح ترميزات أولية (على أن تُوسَم بوضوح بوصفها مقترحات).

ولا ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي من أجل:

  • “استخراج الموضوعات” وكأنها موجودة بمعزل عن الحكم التفسيري،

  • توليد ادعاءات تحليلية دون سلسلة شفافة تربط الاقتباس بالادعاء،

  • إحلال المذكرات التأملية والتفكير البشري،

  • ترجمة الشهادات الحسّاسة دون ضمانات.

وتتمثّل الممارسة القابلة للدفاع في قابلية تتبّع الاقتباس إلى الادعاء:

  • أي مقتطف يدعم هذا التفسير؟

  • أي تفسير بديل قد ينسجم مع المقتطف ذاته؟

  • ما المعرفة السياقية اللازمة لقراءته على نحو سليم؟

  • ما الافتراضات التي أحملها إلى التحليل؟

  • من ينبغي إشراكهم في التحقّق من التفسير، وما الذي سيجعل التحقّق ذا معنى؟

ولا تعني الصرامة غياب التحيّز؛ بل تعني إظهار مسار الاستدلال والاستعداد للمساءلة عن كيفية إنتاج التفسير.

الكتابة، ونَسْب التأليف، والشفافية: إبقاء التحليل مملوكاً للبشر

غالباً ما يُسوَّق الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكاً في الكتابة، غير أنّ هذا التأطير قد يتحوّل بصمت إلى “تنظير بالوكالة”: أي تفويض الاستدلال مع الاحتفاظ بالاسم.

ويساعد هنا تمييز واضح:

  • دعم مقبول: الوضوح، والبنية، والتحرير، وصقل اللغة، والتنسيق.

  • إحلال غير مقبول: توليد الحُجّة، وإنتاج الاستنتاجات، وإعادة صياغة أفكار الآخرين والآخريات على نحو يحافظ على بنيتها مع إخفاء الإسناد.

إنّ “غسل إعادة الصياغة” لا يصبح أخلاقياً لمجرّد صعوبة اكتشافه؛ فهو يظل انتحالاً، ويُضعف المعرفة بفصل الادعاءات عن العمل الفكري والمساءلة اللذين أوجداها.

ولا تعني الشفافية إفصاحاً شكلياً؛ بل تعني ما يحتاجه القارئون والقارئات، أو المشاركون والمشاركات، أو المراجعون والمراجعات، للوثوق بالمنهج:

  • أي أدوات ذكاء اصطناعي استُخدمت، ولأي مهام؟

  • ما الذي جرى التحقّق منه، وكيف؟

  • ما الذي لم يُتحقّق منه؟

  • ما القيود المترتّبة على تلك القرارات؟

قاعدة تشغيلية عملية: سجل استخدام الذكاء الاصطناعي

يُعدّ بناء مسار تدقيقي يُظهر اتخاذ القرار من أكثر السبل فاعليةً لحماية النزاهة—دون حظر الأدوات.

ويُسجّل الحدّ الأدنى من سجل استخدام الذكاء الاصطناعي:

  • المهمة (على سبيل المثال: “تلخيص مقال قدّمته”)،

  • الموجّه،

  • المخرجات،

  • ما جرى قبوله أو رفضه (ولماذا)،

  • ما جرى التحقّق منه (وكيف)،

  • ما الذي تغيّر بعد التحقّق.

ويؤدّي ذلك إلى نتيجتين:

  • يفرض تواضعاً معرفياً: فلا يمكن التعامل مع المخرجات بوصفها محايدة.

  • يعزّز المصداقية: إذ يمكن تدقيق البحث دون إضفاء غموض عليه.

وفي الأعمال عالية المخاطر، لا يكون السجل إضافةً إدارية؛ بل جزءاً من الأخلاقيات.

السؤال الأعمق: أي ثقافة بحثية نبني؟

غالباً ما يُؤطَّر اعتماد الذكاء الاصطناعي باعتباره إنتاجية فردية. غير أنّ البحث الأخلاقي يتطلّب إطاراً أوسع يشمل الحوافز، والافتراضات المؤسسية، وعلاقات القوّة.

ومن المهم هنا طرح الأسئلة الآتية:

  • ما الضغوط التي تجعل سلوك الاختصار أمراً اعتيادياً؟

  • من يتحمّل الكلفة عندما تنتقل الأخطاء؟

  • أي أشكال المعرفة تتعرّض للتسطيح أو الإقصاء؟

  • كيف يبدو الاستخدام المسؤول في هذا السياق، في ضوء الوقائع السياسية والتنظيمية؟

  • هل نتعامل مع البحث كمنتج تسليمي، أم كعملية علائقية للاستقصاء تتطلّب الحوار، والتحقّق، والمساءلة؟

موقف مُعلن بوضوح

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جزءاً من مسار بحثي مسؤول—إذا قُيِّد بما يلي:

  • ملكية بشرية للاستقصاء والتفسير،

  • التحقّق بوصفه منهجاً (لا خطوة نهائية)،

  • قواعد واضحة لحساسية البيانات ومناطق عدم الرفع،

  • ممارسة غير استخراجية ومساءلة تجاه المجتمعات المتأثرة،

  • شفافية تدعم المراجعة والثقة دعماً فعلياً.

أما استخدامه دون هذه القيود، فيجعل البحث يبدو أقوى، بينما يجعله أقل قابلية للدفاع—وأكثر قدرة على إحداث الضرر.

ولمن يرغب في اختبار ممارسته الراهنة، يمكن البدء بسؤال واحد موجّه إلى الذات:
ما الذي أفوّضه حالياً ولا أشعر بالارتياح للدفاع عنه أمام الأشخاص الأكثر تأثّراً باستنتاجاتي؟

نادراً ما يكون هذا السؤال مريحاً؛ وهو أيضاً النقطة التي يبدأ منها البحث الأخلاقي.

يعمل CTDC  مع مؤسسات بحثية على ترسيخ الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي عبر دورة البحث كاملةً—من حوكمة البيانات ونزاهة المنهجية، إلى نسب التأليف، والشفافية، ومنع الضرر.

وتقدّم أكاديمية CTDC في دورتها المرتقبة، البحث في عصر الذكاء الاصطناعي، تعلّماً منظّماً قائماً على الممارسة لفرق العمل والمهنيين والمهنيات الذين يتعاملون مع هذه التحوّلات.
 

تواصلوا معنا

لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!

"

"