Research 1 Research 2 Research 3

بالنسبة إلى كثير من الناس، لا تتمثّل أكثر جوانب قصة جيفري إبستين إرباكاً في وقوع الاستغلال وحده، بل فيما يبدو أنه استدامته: ذلك الإحساس بأن الأذى يمكن أن يكون واسعاً إلى هذا الحدّ، وأن يظلّ ممكناً — لمن مكّنوه — النجاة من تبعاته طوال تلك المدة.

ليست هذه الاستجابة ساذجة؛ بل هي استجابة تشخيصية.
إذ تشير إلى سمة أساسية من سمات الحصانة: فالحصانة لا تستقرّ في المحاكم والمؤسسات وحدها، بل تستقرّ أيضاً في الإدراك؛ أي في الاختصارات المعرفية التي يقرّر الناس من خلالها ما الذي يبدو معقولاً، ومن الذي يبدو ذا مصداقية، وما الذي لا “ينسجم” مع القصة التي يحملونها سلفاً.

الحصانة منظومة عوائق، لا إخفاقاً واحداً

غالباً ما تُوصَف الحصانة بأنها “الإفلات بفعلته”. لكن الوصف الأدقّ هو أن الحصانة تتمثّل في مجموعة الشروط التي تجعل بدء المساءلة صعباً من الأساس.

وعليه، لا تُفهَم المساءلة هنا على أنها لحظة واحدة من العقاب، بل تُفهَم على أنها ممارسة مستمرة؛ ممارسة علائقية تتشكّل بالسلطة وبالأثر العاطفي، وتتجه نحو الاعتراف، والمسؤولية، والتغيير (لا نحو إدارة الحوادث المنعزلة).

إذ تحجب الحصانة هذه الممارسة من المنبع: فتتداخل مع الاعتراف، وتؤخّر الاستجابة، وتبعثر المسؤولية، وتجعل جبر الضرر يبدو خياراً يمكن الاستغناء عنه.

لماذا تهمّ المعرفة — كيف تُشكِّل السلطة ما يستطيع الناس إدراكه

تتسم السلطة بالديناميّة وتعدّد الأبعاد. فهي تعمل عبر المكانة الاجتماعية، والموضع الاقتصادي، والامتياز السياسي-القانوني، والعلاقات، والسيطرة على المعرفة واللغة؛ لا عبر الألقاب الرسمية وحدها.

ومن المهم هنا أن السلطة لا تشكّل فقط ما يستطيع شخص ما فعله، بل تشكّل أيضاً ما يستطيع الآخرون تخيّل قيامه به، ومدى سرعة تفسيرهم لإشارات الإنذار على أنها أمور قابلة للتبرير أو للتجاوز.

وهنا يكتسب الانحياز المعرفي معنى سياسياً.

إذ يستخدم البشر اختصارات لتقليل التعقيد. وفي السياقات اللامتكافئة، تميل هذه الاختصارات إلى الاصطفاف مع الهرميات القائمة. والنتيجة هي بيئة معرفية تُمنَح فيها المصداقية افتراضاً لبعض الناس، بينما يُطلَب من آخرين “إثبات” أحقيّتهم في أن يُصدَّقوا.

الانحيازات المعرفية التي تُصنِّع الحصانة على نحو روتيني

ليست الغاية هنا مرضنة الجمهور، بل تسمية التشوّهات المتوقَّعة؛ ولا سيما حين تكون إشارات المكانة حاضرة:

انحياز السلطة: التعامل مع السلطة المتصوَّرة بوصفها دليلاً على الصواب أو البراءة. وقد تأتي السلطة من منصب، ولكنها قد تأتي أيضاً من الكاريزما، أو القرب من المؤسسات، أو الإيحاء بالخبرة، أو الطلاقة اللغوية.

تأثير الهالة: السماح للمظهر المصقول، أو الهيبة، أو الجاذبية، أو “الوجاهة” بأن تنسكب على افتراضات تتعلق بالشخصية الأخلاقية.

الانحياز الضمني: التصرّف وفق الصور النمطية دون قصد؛ بما يشكّل من تبدو رواياتهم قابلة للتصديق، ومن يُستصغَر انزعاجهم، ومن يُطبَّع سلوكهم.

تأثيرات التأطير: ترك العبارات الملطِّفة (“معقّد”، “خاص”، “غير مُثبَت”، “فوضوي”) تحكم الاستجابة بدلاً من الرهانات الأخلاقية للأذى.

الاستدلال الدفاعي: ليّ التأويل لحماية واقع مفضَّل؛ ولا سيما حين يهدّد الاعتراف بالأذى الهوية، أو مكانة الجماعة، أو سمعة المؤسسة.

ديناميات الصمت (جهل القطيع): قراءة غياب الاعتراض العلني بوصفه دليلاً على أنه “لا شيء هناك”. ففي كثير من السياقات، لا يكون الصمت حياداً، بل يكون بنية حوافز.

ليست هذه الآليات هامشية. فهي الكيفية التي تصبح بها الحصانة أمراً عادياً: لا دائماً عبر تواطؤ صريح، بل عبر معرفة اجتماعية مُنمَّطة تحمي المكانة.

تتطلّب المساءلة مسؤولية عاطفية؛ لا لأن المشاعر اشكالية، بل لأن التجنّب يصنع اشكاليات

يتكرر فشل المساءلة لا بسبب نقص المعلومات، بل لأن الناس لا يستطيعون المكوث مع ما تستلزمه المعلومات.

وهذا، بقدر ما هو معرفي، هو عاطفي.

إذ تعني المسؤولية العاطفية، في هذا الإطار، تحمّل تبعات مشاعرنا وتأويلاتنا دون تصديرها إلى الآخرين؛ ورفض التعامل مع عدم الارتياح بوصفه مبرّراً للتقليل من شأن الأذى، أو رفضه، أو تحويله إلى استعراض.

ولا يقلّل ذلك من الأذى ولا يبرّر الاستغلال، بل يجعلنا أقل قابلية للحكم؛ باختصاراتنا نحن، وبالضغط الاجتماعي الذي يدفع إلى “المضيّ قدماً”.

من “من فعل ذلك؟” إلى “ما الشروط التي جعلت الأذى قابلاً للاستدامة؟”

غالباً ما ينحصر النقاش العام في الإثارة أو الإنكار؛ وكلاهما قد يخدم الحصانة.

بينما تطرح المساءلة أسئلة أصعب:

ما أشكال السلطة التي كانت فاعلة — الاقتصادية، والعلائقية، والسياسية-القانونية، والرمزية، واللغوية — وكيف تفاعلت؟

وأيّ انحيازات حوّلت إشارات السلطة إلى إشارات مصداقية؟

وأين تعاملت المؤسسات والمجتمعات مع الأذى بوصفه حادثة معزولة، لا نمطاً بنيوياً؟

وأيّ كلف اجتماعية جعلت الكلام يبدو مستحيلاً، أو عديم الجدوى؟

وما الذي يلزم لجعل الأذى أصعب إخفاءً، وأسهل إبلاغاً، وأكثر خطراً على من يمكّنونه؟

ليس هذا تجريداً؛ بل هو الفرق بين المساءلة بوصفها أداءً، والمساءلة بوصفها ممارسة.

استجابة أكثر فائدة للصدمة

إذا كان شعور المفاجأة حاضراً، فالسؤال ليس “كيف لم أكن أعلم؟” بل السؤال الأهم هو: ما الذي جعل هذا يبدو غير معقول من البداية؟

وفيما يلي بعض الأسئلة التي تصل الإدراك بالبنية:

أيّ إشارات مكانة تجعلني أخفّض حذري: الثروة، المظهر المصقول، القرب من المؤسسات، الكاريزما، “السمعة الجيدة”؟

ومتى أطالب بمعيار أعلى من الإثبات قبل أن أسمح للقلق بالظهور؛ ومن الذي يدفع كلفة ذلك؟

وأين أخلط بين الصمت والسلامة؟

وأيّ شعور يحكم تأويلي الآن: عدم التصديق، الخوف، الاشمئزاز، الدفاعية؛ وإلى ماذا أميل أن أفعل به؟

ليست هذه الأسئلة دعوة إلى لوم الذات، بل هي دعوة إلى الدقّة.

خاتمة

لا تُنتَج الحصانة فقط بواسطة “أشخاص سيّئين”، بل تُنتَج بواسطة اصطفاف السلطة والإدراك؛ وبالطرق التي تدرّبنا بها البنى الاجتماعية على الثقة بإشارات معينة، والشكّ في أصوات معينة، وتجنّب حقائق معينة.

وتبدأ المساءلة حين نرفض ذلك الاصطفاف؛ حين نصير أكثر مسؤولية عاطفية، وأكثر انتباهاً للانحيازات المعرفية، وأكثر استعداداً لتفكيك الترتيبات التي تشكّل ما نجده قابلاً للتصديق.

فهناك تميل الحصانة إلى البدء، وهناك أيضاً يمكن تعطيلها.

وماذا بعد؟ 

إذا كانت الحصانة منظومة شروط، فإن المساءلة هي منظومة شروط مضادّة. فالمقصود ليس إدانة الأذى بعد وقوعه فحسب، بل جعل الأذى أصعب إخفاءً، وأسهل تعطيلًا، وأكثر كلفة على من يمكّنونه.

للمؤسسات (السياسات، والحوكمة، والمنظمات)

تصميم مسارات للإفصاح، لا لإدارة السمعة: بناء قنوات إبلاغ لا تعتمد على الشجاعة الفردية وحدها (مداخل متعددة، وخيارات مجهولة الهوية، وحماية مستقلة).

تحويل الحوافز، لا رفع الشعارات: التعامل مع الانتقام، والصمت، و“التحذيرات غير الرسمية” بوصفها أحداث مخاطر تنظيمية لها تبعات، لا بوصفها دراما بين أشخاص.

مراجعة توزيع المصداقية: ملاحظة من تُشَكَّك رواياتهم، أو تُؤخَّر، أو تُحوَّل إلى إجراءات مُرهِقة حتى الإنهاك؛ ثم تغيير القواعد التي تنتج ذلك النمط.

للمجتمعات والشبكات (المهنية، والاجتماعية، والثقافية)

قطع حماية المكانة: رفض الاستجابة المنعكسة التي تعامل الثروة، أو الكاريزما، أو القرب من المؤسسات، أو “السمعة الجيدة” بوصفها دليلاً على البراءة.

ممارسة الرصد الجماعي: تسمية الأنماط باكراً؛ ولا سيما اختبار الحدود، والعزل، وديناميات “الجميع يعرف لكن لا أحد يتكلم”؛ قبل أن تتصلّب وتصبح اعتياداً.

خفض كلفة الكلام: بناء أعراف ودعائم تجعل إثارة القلق قابلة للنجاة (مسؤولية مشتركة، ومرافقة، ومتابعة).

للأشخاص (الإدراك، والمسؤولية، والممارسة)

تتبُّع اختصارات منح المصداقية: مساءلة الإشارات التي تدفع إلى التقليل، أو التأجيل، أو طلب إثبات مستحيل؛ وتحديد من يتحمّل كلفة عدم اليقين.

المكوث مع ما تستلزمه الدلالات: حين يظهر عدم الارتياح، التعامل معه بوصفه معطى للفحص، لا إشارة إلى الرفض، أو الإثارة، أو “المضيّ قدماً”.

اختيار أفعال تعيد توزيع المخاطر: توثيق القلق، وإسناد من يستهدفهم الأذى، والتصعيد بمسؤولية؛ بحيث لا يقع العبء على أكثر الأشخاص هشاشة في الغرفة.

الخلاصة: ليست المساءلة مزاجاً ولا حكماً نهائياً، بل هي ممارسة لتغيير الشروط التي يصبح تحتها الأذى اعتيادياً، وتصبح تحتها الحصانة قابلة للتفكير.

وإذا كانت هناك رغبة في استكشاف كيفية عمل المساءلة، والانحيازات المعرفية، والمسؤولية العاطفية داخل مؤسسة أو مجتمع، وما الذي ينبغي فعله حيال ذلك، فالتواصل مع CTDC لطلب خدماتنا أو لتسجيل الاهتمام بأكاديميتنا.
 

تواصلوا معنا

لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!

"

"