9 دقيقة
CTDC
يتزايد عمل المؤسسات عبر الحدود الوطنية والسياسية والثقافية، مع اعتمادها على معايير مشتركة وأطر للحوكمة وإجراءات تشغيلية لضمان الاتساق في عملها. غير أن افتراض إمكانية نقل نظام طُوّر في سياق معين إلى سياق آخر، دون الحاجة إلى تعديلات جوهرية، يستدعي مزيدًا من التمحيص. إذ تواجه المؤسسات في مختلف القطاعات تحديات عندما تعجز الأطر المعتمدة عن مراعاة الواقع السياسي المحلي، والتاريخ المؤسسي، والعلاقات الاجتماعية، وأشكال المعرفة الموجودة في السياقات التي تعمل فيها.
تقع هذه التحديات في صميم مفهوم التوطين، الذي ارتبط استخدامه بصورة أساسية بالعمل الإنساني والتنموي، رغم امتداد أهميته إلى نطاق أوسع بكثير من الممارسات المؤسسية. ويثير التوطين تساؤلات حول كيفية ممارسة السلطة، والمعارف التي تستند إليها القرارات، والطرق التي تتفاوض من خلالها المؤسسات بشأن العلاقة بين معاييرها المؤسسية والسياقات التي تعمل فيها.
وقد أظهرت أبحاث مركز التنمية والتعاون عبر الحدود (CTDC) حول التوطين أن معالجة هذه المسائل تتطلب ما يتجاوز التمثيل المحلي، أو تكييف الممارسات مع السياق، أو تفويض المسؤوليات التشغيلية. إذ تستدعي فهمًا أعمق للعلاقات والهياكل التي تمارس المؤسسات سلطتها من خلالها.
التوطين وحدود توحيد المعايير
يؤدي توحيد المعايير وظائف مؤسسية مهمة، إذ يساهم في تحديد التوقعات المشتركة، وحماية الحقوق، وتعزيز المساءلة، وضمان الاتساق في العمليات المعقدة. كما تساعد الأطر المشتركة الشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات العامة، والجامعات، والمنظمات الدولية على التعاون والعمل عبر أنظمة قانونية وإدارية مختلفة.
غير أن التحديات تظهر عندما يستند توحيد المعايير إلى افتراض إمكانية تطبيق نماذج مؤسسية معينة على جميع السياقات، بصرف النظر عن الاختلافات القائمة بينها.
فعلى سبيل المثال، قد يواجه إطار للحوكمة طُوّر ضمن بيئة سياسية وتنظيمية معينة ظروفًا مختلفة جذريًا عند تطبيقه في بيئة أخرى. وقد تضع سياسات الموارد البشرية المعتمدة في الشركات متعددة الجنسيات توقعات موحدة على المستوى الرسمي، لكنها تتجاهل الاختلافات في علاقات العمل، والحماية الوظيفية، والممارسات المؤسسية. وبالمثل، قد تستند إصلاحات القطاع العام إلى نماذج حوكمة معترف بها دوليًا، دون إيلاء الاهتمام الكافي لكيفية ممارسة السلطة وتوزيع المسؤوليات واكتساب المؤسسات شرعيتها ضمن الأنظمة الإدارية القائمة.
تُفسَّر هذه الصعوبات أحيانًا بوصفها تحديات في التنفيذ تستدعي مزيدًا من التدريب، أو المساعدة التقنية، أو تعزيز القدرات المؤسسية. وقد تكون هذه الاستجابات ملائمة في بعض الظروف، لكنها قد تحجب أيضًا إشكاليات أكثر عمقًا تتعلق بالافتراضات التي يستند إليها تصميم النظم المؤسسية.
فعندما يواجه إطار مؤسسي مقاومة، أو تترتب على تطبيقه نتائج غير مقصودة، قد يرتبط تفسير ذلك بالطريقة التي طُوّر بها، والتجارب التي استند إليها، والظروف السياسية والمؤسسية التي اعتُبرت ذات صلة أثناء تصميمه.
ومن هنا، يتطلب التوطين من المؤسسات التعامل النقدي مع هذه المسائل، مع الإقرار بأن الاختلافات بين السياقات لا تبرر تلقائيًا التخلي عن المعايير الأخلاقية أو الحقوق والحماية المعترف بها.
العلاقة بين السلطة المؤسسية والاستقلالية المحلية
يُعد توزيع سلطة اتخاذ القرار من أهم المسائل المرتبطة بالتوطين.
فكثيرًا ما تعمل المؤسسات الكبيرة على تطبيق اللامركزية في عملياتها، مع الاحتفاظ بالسيطرة المركزية على الاستراتيجيات والموارد والحوكمة. وقد تتحمل المكاتب الإقليمية والفروع الوطنية والجهات الشريكة المحلية مسؤولية تنفيذ قرارات جرى اتخاذها في مواقع أخرى، دون أن تتاح لها فرص كافية للتأثير في الأولويات والافتراضات التي تستند إليها تلك القرارات.
ولا يُعد هذا الترتيب غير ملائم بالضرورة، إذ تحتاج المؤسسات العاملة عبر أنظمة قانونية وإدارية مختلفة إلى آليات للتنسيق والرقابة وضمان الاتساق. لكن الصعوبات تنشأ عندما تُنقل مسؤولية تحقيق النتائج إلى جهات لا تمتلك الصلاحيات الكافية للتعامل مع الظروف التي تؤثر في تلك النتائج.
فعلى سبيل المثال، قد تُطالَب فرق الإدارة الإقليمية بتحقيق مؤشرات أداء محددة، دون أن تمتلك حرية تعديل أساليب العمل استجابةً للتغيرات الاقتصادية أو السياسية. وقد تُحمَّل المؤسسات العامة المحلية مسؤولية تنفيذ إصلاحات لم تشارك بصورة فعلية في تصميمها أو تحديد الموارد المخصصة لها.
ولطالما اتسم العمل الإنساني والتنموي الدولي بديناميكيات مشابهة، حيث تتولى المؤسسات المحلية تنفيذ البرامج، بينما تظل القرارات الاستراتيجية والسلطة المالية متركزة لدى الجهات المانحة والمؤسسات الدولية الوسيطة.
وقد بيّنت أبحاثنا حول التوطين في قطاعات العمل الإنساني والتنموي وحقوق الإنسان أن نقل مسؤوليات التنفيذ إلى المؤسسات الوطنية لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير هذه الترتيبات. فقد تعيد المؤسسات الوطنية الكبيرة أيضًا إنتاج علاقات غير متكافئة مع المؤسسات القاعدية الأصغر حجمًا، وهو ما يوضح أن فهم علاقات القوة المؤسسية لا يمكن أن يستند إلى التمييز الجغرافي وحده.
وتحمل هذه النتائج دلالات أوسع بالنسبة إلى تقييم جهود التوطين. فالموقع الجغرافي للمؤسسة، وجنسيات العاملين والعاملات فيها، والتوزيع الجغرافي لأنشطتها، لا توفر سوى معرفة محدودة بكيفية اتخاذ القرارات فعليًا.
وتكمن المسألة الأكثر أهمية في كيفية توزيع المؤسسات للسلطة والموارد والمسؤوليات ضمن علاقاتها المؤسسية المختلفة.
المعرفة واللغة وسلطة تعريف المشكلات
تتشكل المقاربات المؤسسية من خلال النظم المعرفية التي تُستخدم لتحديد المشكلات وتفسيرها والتعامل معها.
وتؤثر المعايير المعترف بها دوليًا والأطر المهنية، في مختلف القطاعات، في تحديد ما يُعد دليلًا موثوقًا، أو منهجية ملائمة، أو خبرة تحظى بالاعتراف المؤسسي. ورغم مساهمة هذه النظم في تعزيز جودة العمل المؤسسي واتساقه، فإنها قد تعيد أيضًا إنتاج التراتبية بين أشكال المعرفة المختلفة.
ففي التعليم العالي، على سبيل المثال، قد تمنح معايير التميز البحثي المعتمدة دوليًا امتيازات للغات معينة، وأنظمة نشر محددة، وتقاليد أكاديمية بعينها. وفي الإدارة العامة، قد تحظى الخبرات التقنية المستمدة من نماذج دولية بسلطة مؤسسية أكبر من المعارف التي تتطور من خلال الانخراط المستمر في ممارسات الحوكمة المحلية. أما في المؤسسات متعددة الجنسيات، فقد تعتمد القرارات الاستراتيجية بدرجة كبيرة على التحليلات الصادرة عن المراكز الرئيسية، بينما تُعامل تجارب العاملين والعاملات في المكاتب الإقليمية باعتبارها معلومات تكميلية.
وتؤثر هذه الترتيبات في الحكم المؤسسي، لأن المعارف التي تحظى بالاعتراف والسلطة تسهم أيضًا في تحديد المشكلات التي تستدعي الاهتمام، والاستجابات التي يمكن النظر فيها.
وتكتسب اللغة أهمية خاصة في هذا السياق.
فقد كشفت أبحاثنا حول التوطين أن هيمنة لغات الجهات المانحة تشكل عائقًا أمام المشاركة والتأثير في القرارات المؤسسية. إذ كانت المؤسسات القادرة على التواصل باستخدام المصطلحات المهنية المعترف بها دوليًا في موقع أفضل للوصول إلى الموارد والمشاركة في عمليات اتخاذ القرار، حتى عندما امتلكت مؤسسات أخرى معرفة أعمق بالسياقات المحلية وعلاقات أكثر رسوخًا مع المجتمعات.
وقد تظهر توترات مشابهة في أي بيئة ترتبط فيها المكانة المهنية بإتقان لغة مؤسسية مهيمنة، أو بالإلمام بطرق تعريف المشكلات ووصفها التي جرى تطويرها خارج السياق المحلي.
وعليه، يتطلب التوطين الفعلي فحص كيفية إنتاج المعرفة ومنحها المصداقية داخل المؤسسات. ويشمل ذلك الاعتراف بأن الخبرة المرتبطة بالسياق تتطور من خلال التجارب التاريخية، والفهم السياسي، والممارسة المهنية، والعلاقات الاجتماعية والمؤسسية، وأن المؤشرات الموحدة أو أنظمة التقارير المؤسسية لا تستطيع دائمًا التعبير عن هذه الخبرة بصورة كافية.
وتمتد آثار ذلك إلى البحث، والتشخيص المؤسسي، والتخطيط الاستراتيجي، والتقييم. إذ تحتاج المؤسسات إلى عمليات تحليلية تتيح مراجعة افتراضاتها، لا سيما عندما تكون التصنيفات المستخدمة لتقييم وضع معين قد طُوّرت بعيدًا عن السياق الذي يجري تقييمه.
المساءلة وأوجه عدم التكافؤ في العلاقات المؤسسية
تعكس أنظمة المساءلة الكيفية التي توزع بها المؤسسات السلطة والمسؤوليات.
ففي الهياكل المؤسسية المعقدة، تتجه المساءلة في كثير من الأحيان نحو المكاتب المركزية، أو الهيئات الحاكمة، أو الجهات التنظيمية، أو المؤسسات المانحة. ويُتوقع من العاملين والعاملات والمؤسسات الشريكة إثبات الالتزام بالسياسات المعتمدة، وتقديم التقارير حول الأداء، وتبرير القرارات المتخذة.
وتؤدي هذه الترتيبات وظائف مهمة، ولا سيما في حماية النزاهة المؤسسية والوقاية من الممارسات المسيئة. ومع ذلك، فإن الاتجاه الذي تسير فيه المساءلة يستحق اهتمامًا خاصًا.
فعندما تتجه المساءلة أساسًا نحو المستويات الأعلى في التسلسل المؤسسي، قد تتغاضى المؤسسات عن تبعات القرارات التي تتخذها الجهات صاحبة السلطة الأكبر.
فقد يُحمَّل مكتب إقليمي مسؤولية عدم تحقيق أهداف وُضعت دون مراعاة كافية للظروف المحلية. وقد يُتوقع من مؤسسة شريكة تعمل بموجب عقد أن تتحمل مخاطر مالية وتشغيلية ناجمة عن قرارات اتخذتها مؤسسة أكبر. وقد تتاح للمجتمعات المتضررة من البرامج العامة فرص لتقديم الملاحظات، دون أن يكون لها تأثير يُذكر في القرارات المؤسسية التي تشكل تجاربها.
وقد رصدت أبحاثنا حول التوطين أوجهًا مشابهة من عدم التكافؤ في علاقات التمويل الدولي. إذ وصفت المؤسسات المحلية التزامات واسعة النطاق تتعلق بإعداد التقارير والامتثال، مقابل فرص محدودة لمساءلة الجهات المانحة عن قراراتها، أو مطالبتها بتحمل المسؤولية عندما تؤدي تلك القرارات إلى صعوبات مؤسسية.
وقد ساهمت هذه النتائج في بلورة اهتمامنا بمفهوم المساءلة العلائقية، الذي ينطلق من ضرورة فهم المسؤولية عبر العلاقات التي تُتخذ القرارات من خلالها، وتُعاش تبعاتها ضمنها.
وتتجاوز أهمية هذه المقاربة قطاعًا بعينه، إذ تتيح إعادة النظر في مدى تعبير آليات المساءلة عن التوزيع الفعلي للقوة داخل المؤسسات. ويشمل ذلك فحص ما إذا كانت الجهات والأفراد الذين يمتلكون سلطة أقل يتمتعون بوسائل فعلية للاعتراض على القرارات، وطرح المخاوف، والحصول على استجابات مؤسسية.
وتزداد أهمية هذه الترتيبات عندما تعمل المؤسسات ضمن بيئات سياسية واقتصادية ومؤسسية تتسم بعلاقات غير متكافئة.
التوطين ضمن البنى السياسية والاقتصادية العالمية
تتأثر الممارسات المؤسسية أيضًا بالظروف السياسية والاقتصادية التي تتجاوز حدود المؤسسات نفسها.
إذ تعمل الشركات متعددة الجنسيات ضمن أسواق دولية وأنظمة تنظيمية تتأثر بالتطورات الجيوسياسية. وتتأثر الجامعات والمؤسسات البحثية بأولويات التمويل الدولي، والقيود المفروضة على التنقل، والتراتب القائم ضمن أنظمة إنتاج المعرفة عالميًا. كما قد تعتمد المؤسسات العامة إصلاحات في الحوكمة تتأثر بالترتيبات المالية الدولية والعلاقات السياسية.
وتؤثر هذه الظروف في الخيارات المتاحة للمؤسسات، والأولويات التي تحظى بالنفوذ، وكيفية استجابة المؤسسات للظروف المتغيرة.
وتبرز العلاقة بين التوطين والسياسة العالمية بصورة خاصة في العمل الإنساني والتنموي، إذ تعكس أولويات التمويل في كثير من الأحيان مصالح السياسة الخارجية للحكومات المانحة. وقد أظهرت أبحاثنا كيف يمكن للتطورات السياسية والتغيرات في ترتيبات التمويل الدولي أن تقيّد استقلالية المؤسسات، حتى عندما تُشجَّع هذه المؤسسات على تولي أدوار قيادية محلية.
وتتصل الدلالة الأوسع لهذه النتائج بمحدودية التعامل مع التوطين باعتباره عملية مؤسسية بحتة.
فقد تعمل المؤسسات على تعزيز المشاركة، ومراجعة سياساتها، وإعادة توزيع بعض صلاحيات اتخاذ القرار، بينما تستمر في العمل ضمن بنى سياسية واقتصادية تحدد نطاق الخيارات المتاحة لها. كما يؤثر التركز التاريخي للموارد والنفوذ المؤسسي في بلدان ومؤسسات معينة في تحديد النماذج التي تكتسب اعترافًا دوليًا، والمعارف التي تحظى بالمصداقية.
وتُبرز هذه الظروف أهمية العلاقة بين التوطين وإنهاء الاستعمار، ولا سيما عند دراسة الأسس التاريخية للسلطة المؤسسية. غير أن الاعتراف بهذه التواريخ لا يستدعي رفض التعاون الدولي، أو افتراض أن الممارسات المتجذرة محليًا تتسم بالإنصاف بطبيعتها.
فالمؤسسات المحلية نفسها تتشكل ضمن سياقات تتسم بتفاوتات سياسية، وتراتبيات اجتماعية، ومصالح متنافسة. ولذلك، تستدعي أي مقاربة للتوطين تنطلق من العدالة الانتباه إلى هذه الديناميكيات أيضًا.
ويتطلب ذلك تحليلًا سياسيًا يستند إلى السياق، وقادرًا على دراسة التفاعل بين العلاقات المحلية والوطنية والعالمية، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجالات منفصلة.
نحو مقاربة مؤسسية أكثر مسؤولية للتوطين
غالبًا ما تجري الاستجابة للتحديات المرتبطة بالتوطين من خلال تطوير أطر إضافية، أو مراجعة السياسات، أو تقديم التزامات بتوسيع المشاركة. وقد تساهم هذه التدابير في تحقيق تحسينات، غير أن فعاليتها تتوقف على طبيعة العلاقات المؤسسية التي تُطبّق ضمنها.
نعتمد في أعمالنا البحثية والاستشارية في مركز التنمية والتعاون عبر الحدود إطارًا تحليليًا تقاطعيًا ومناهضًا للاستعمار لفهم التوطين، يأخذ في الاعتبار التاريخ والسياق السياسي واللغة وإنتاج المعرفة والعلاقات التي تُمارس السلطة من خلالها.
وتولي هذه المقاربة أهمية كبيرة لفهم المؤسسات قبل الشروع في تغييرها. إذ تتشكل الهياكل التنظيمية والممارسات المهنية وترتيبات الحوكمة ضمن ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية محددة، ولا يمكن فهم تبعاتها فهمًا كافيًا من خلال السياسات الرسمية أو المخططات التنظيمية وحدها.
وعليه، تتطلب المقاربة الفعلية للتوطين دراسة كيفية صياغة القرارات المؤسسية، والمعارف التي تستند إليها، وكيفية توزيع الموارد والمخاطر، ومدى امتداد المساءلة إلى الجهات والأفراد المتضررين من الإجراءات والقرارات المؤسسية.
كما تستدعي الاهتمام بالعلاقات بين المؤسسات العاملة على مستويات مختلفة. فقد تتفاوت المؤسسات المركزية والمكاتب الإقليمية والجهات الشريكة الوطنية والجهات الفاعلة على مستوى المجتمعات المحلية في مواردها ومسؤولياتها، لكنها جميعًا تعمل ضمن نظم أوسع تؤثر في ممارساتها.
ويكتسب التوطين أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التي تسعى إلى دخول أسواق جديدة، أو إقامة شراكات عابرة للحدود، أو إصلاح ترتيبات الحوكمة، أو تعزيز استجابتها للمجتمعات المختلفة. ففي جميع هذه الحالات، تعتمد الممارسة المؤسسية الفعالة، جزئيًا، على القدرة على إدراك الظروف التي تستدعي إعادة النظر في النظم المعتمدة، والتفاوض بشأن هذه المراجعة دون التخلي عن المسؤوليات المشتركة.
ولا يوجد نموذج مؤسسي واحد يمكن تطبيقه في جميع السياقات لمعالجة هذه التوترات. إذ يختلف التوازن بين المعايير المشتركة والاستقلالية المرتبطة بالسياق تبعًا لتفويض المؤسسة، والحقوق والمسؤوليات المعنية، والبيئة السياسية والتنظيمية التي تعمل ضمنها.
ومن هذا المنطلق، يصبح التوطين عملية مستمرة تتطلب ممارسة الحكم المؤسسي، والتفاوض، والمساءلة.
ومع تزايد الترابط بين المؤسسات، تزداد أيضًا تعقيدات مسؤولياتها تجاه السياقات التي تعمل فيها. وتكمن أهمية التوطين في إظهار هذه المسؤوليات، وتوفير أساس لفحص الكيفية التي يمكن من خلالها ممارسة السلطة المؤسسية دون تهميش المعارف والعلاقات والوقائع السياسية التي تستند إليها الممارسات المسؤولة.
يستند هذا المقال إلى بحث أجراه مركز التنمية والتعاون عبر الحدود بعنوان “جهود التوطين في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والعمل الإنساني: دراسة حالة لبنان” (٢٠٢٥)، والذي أُنجز بالتعاون مع مؤسسات شريكة ضمن برنامج “القوة النسوية في العمل من أجل الحقوق الاقتصادية للنساء” (FemPawer). تناول البحث التوطين من خلال إطار تحليلي تقاطعي ومناهض للاستعمار، مع اهتمام خاص بالسلطة المؤسسية، وهياكل التمويل، واللغة، وديناميكيات العلاقات، والسياسة العالمية. ويوسّع التحليل الوارد في هذا المقال نطاق هذه الرؤى المفاهيمية ليشمل سياقات مؤسسية أكثر تنوعًا.